5 chapters·Completed
بأسلوبٍ ساخرٍ لا يضاهى، يفتح الجاحظ أمامك دفاترَ أغرب طائفةٍ من الناس: البخلاء الذين رفعوا الشُّحّ إلى مرتبة الفلسفة، واخترعوا للحرمان أعذارًا تُضحك حتى الحجر. ها هو رجلٌ يحاضر ضيوفه عن مضارّ الشِّبَع لئلا يأكلوا، وآخر يبيع رائحة طبخه للجيران ثم يطالبهم بثمنها، وثالثٌ يبكي على شمعةٍ احترقت في عُرسٍ أكثر مما يبكي على فقد عزيز. يجمع الجاحظ في هذا الكتاب رسائلَ ونوادرَ وحواراتٍ حقيقيةً عن أهل البصرة وخراسان، ينقل ببراعةٍ منطقهم المعوجّ الذي يبدو — رغم سخافته — منسجمًا مع نفسه إلى حدّ الدهشة. لكنّ الكتاب أعمق من مجرّد الضحك؛ فهو مرآةٌ تكشف عن طبائع البشر، وعن الحدّ الفاصل بين الاقتصاد والشُّحّ، وبين الحكمة والهوس. تنقّل بين هذه الصفحات لتلتقي شخصياتٍ خالدةً صنعها قلمُ أعظم كتّاب العربية، وتكتشف لماذا ظلّ "البخلاء" بعد أكثر من ألف عامٍ من أطرف ما كُتب عن النفس الإنسانية وأكثره صدقًا.
كان الجاحظ، ذلك العالم البصريّ الذي امتلأ رأسه بالعلوم كما امتلأت سوق البصرة بالبضائع، يحبّ أن يتأمّل الناس أكثر من حبّه لتأمّل الكتب. وكان يقول: ما من طبعٍ في الإنسان أعجب من البخل، فإن صاحبه لا يكتفي بأن يمنع ماله، بل يصنع لمنعه فلسفةً كاملة، ويبني له حصونًا من الحجج، حتى تظنّه — وهو يحرم نفسه قبل غيره — أعقل أهل زمانه.
Full chapters are read in the Arwy app.
Arwy · read · write · meet